محمد أبو زهرة
3578
زهرة التفاسير
إنهم ينظرون إلى السماء وما فيها من أبراج وإلى الأرض وما تخرج من طيبات الرزق ولكنهم عمون عن عجائب الوجود ، كما قال تعالى : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) [ ق ] . ينظرون في الكون ولكن لا يدركون ما يهدى إليه النظر فكأنهم عمى لا يدركون ؛ لأن النظر من غير إدراك لما يدل عليه المنظور من آيات بينات ، شأنه كعدم النظر سواء ؛ إذ ثمرة النظر مفقودة في الحالين . ولذلك قال تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ولكنهم غير ناظرين ؛ لأنهم غير مدركين ما في الوجود من آيات بينات ، وقال سبحانه : إِلَيْكَ وفي الآية السابقة يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ إشارة إلى أنهم يكونون مع النبي بحسهم وليس بعقولهم ، ثم قال تعالى : أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ وشبههم بالعمى لعدم الثمرة في نظرهم ، وهم معرضون عن آيات اللّه تعالى ، والاستفهام للتعجب . ولقد قال الزمخشري في هذه الآية والتي قبلها : « ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يعون ولا يقبلون ، وناس ينظرون ويعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يصدقون ، أفتطمع أن تسمع الصم ولو انضم إلى صمهم عدم عقولهم ؛ لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل ، ولكن إذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فلا فائدة في استماعهم ودعوتهم ، أتحسب أنك تقدر على هداية الأعمى ولو انضم إلى العمى ، وهو فقد البصر فقد البصيرة ؛ لأن الأعمى له في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن ، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء ، وذلك يعنى أنهم في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا كالصم والعمى الذين لا بصائر لهم ولا عقول » .